الرئيسية | تزايد استخدام اللغة العربية يعزز حضورها في المشهد التعليمي الفرنسي
  • Print
  • Email
تزايد استخدام اللغة العربية يعزز حضورها في المشهد التعليمي الفرنسي

17 شباط 2018

أنهت وزارة التربية الفرنسية الجدل الدائر حول قضية إدراج اللغة العربية رسميا في البرامج التعليمية للمدارس الحكومية بعدما كان تدريسها يتم بشكل اختياري، وهو ما يؤكد تنامي الاستخدام الذي عرفته اللغة العربية في السنوات الأخيرة، ما أهّلها لتكون حاضرة من بين العديد من اللغات الأخرى التي يتم تدريسها في المؤسسات التعليمية مثل فرنسا وألمانيا وغيرهما من الدول الأوروبية.

يكاد الجدل الدائر حول تدريس اللغة العربية في المدارس الفرنسية لا يتوقف ليطفو من جديد حاملا معه ردود فعل متباينة بين من يعتبر هذه اللغة ضرورية كغيرها من اللغات الواجب تدريسها وبين من يطالب بحظرها خوفا من تبعات ذلك على المجتمع الفرنسي. ولكن وزارة التربية والتعليم في فرنسا قررت إنهاء هذا الجدل باتخاذها قرارا نهائيا يقضي بإدراج اللغة العربية بشكل رسمي في المناهج الدراسية الفرنسية بدءا من الفصول التعليمية للعام 2018، وهي مبادرة سبق وأطلقتها البعض من المدارس الفرنسية الخاصة بشكل اختياري، لكنّ القرار الوزاري الأخير ألزم جميع المدارس الحكومية بتطبيقه.

وعلى عكس ادعاءات بعض أعضاء اليمين المُتطرّف الذي يرى في تعليم العربية خطرا على مُستقبل اندماج ما يُقارب الـ50 ألف طالب من أبناء المُهاجرين واللاجئين في المجتمع الفرنسي، فقد أكدت وزارة التعليم الفرنسية أنّ تعليم اللغة العربية إنما يصبّ في الواقع في جهود وخطوات اندماج الجاليات العربية في المجتمع الفرنسي، فضلا عن إتاحة الفرصة لمن يرغب من الفرنسيين وغيرهم في دراسة هذه اللغة المعتمدة من قبل الأمم المتحدة كإحدى لغاتها الرسمية.

وجاءت فكرة تدريس اللغة العربية في إطار إصلاح المنظومة التربوية والتعليمية في فرنسا، خصوصا وأنها تعاني من عدة نقاط منها قدرتها على استقطاب كل الأطفال الموجودين في فرنسا، خصوصا من أبناء المهاجرين من الجيل الثاني أو الثالث. وكانت هذه فكرة ضمن مشروع قدّمته وزيرة التعليم الفرنسية نجاة بلقاسم وعرضته على مجلس النواب في أيار/ مايو من العام 2016، وتزامن ذلك مع عدة هجمات إرهابية عاشتها فرنسا، حيث كان المجتمع الفرنسي يعيش حالة من التوتر والخوف، لذلك لقي هذا المشروع معارضة كبيرة وجدالا وصدّا، خصوصا من اليمين المتطرف الذي وجد حجة في معارضته بأنه إذا وقع تدريس العربية، فإن ذلك سيكون مدعاة لتكريس العديد من الظواهر في المجتمع الفرنسي الذي هو في حل منها.

ولكنّ خبراء أكدوا حينها أن اللغة العربية ستدرس لأن الجمهورية الفرنسية قائمة على العلمانية والمساواة بين جميع الفرنسيين مهما كانت اختلافاتهم، داعين إلى تذكير من ينادون برفضها إلى أن اللغة العربية موجودة بينهم وتعيش معهم وينطق بها الكثير من الفرنسيين من أصول عربية.

ووفقا لذلك، أصبح بإمكان طلاب جميع المدارس الفرنسية الرسمية اختيار اللغة العربية للدراسة كلغة أجنبية ثانية بعد الإنكليزية، التي يُعتبر تدريسها إجباريا، وذلك بنفس الدرجة مع كلّ من اللغات الألمانية والإسبانية والإيطالية، والتي يتم تدريسها منذ عقود مع لغات أخرى، فيما يُعتبر تدريس اللغة الفرنسية بالطبع إلزاميا لجميع الجنسيات.

ويأتي ذلك بالتوازي مع تكثيف معهد العالم العربي في باريس لجهوده من أجل إصدار شهادة دولية في اللغة العربية يتم اعتماد مصداقيتها في مختلف الدول، ويتم بموجبها تحديد المستوى اللغوي للدارسين وفق معايير أكاديمية ولغوية دقيقة، وذلك كما هو مُعتمد في إصدار الشهادات المُعترف بها عالميا لكل من اللغة الفرنسية (ديلف، دالف)، واللغة الإنكليزية (التوفل، الايلتس).

وستكون هذه الشهادة مُعتمدة كذلك لتحديد المستوى اللغوي لمن يختار دراسة اللغة العربية كلغة أجنبية ثانية في المدارس الفرنسية، في حال لم يتوفر مدرسون لتدريس اللغة العربية للطلاب في البعض من المدارس، حيث بالإمكان اعتماد هذه الشهادة كمعيار لنجاح الطلبة في لغة أجنبية ثانية، وتقديمها كإثبات للمدارس الحكومية أو الخاصة.

وكان معهد العالم العربي في باريس، الذي يُساهم سنويا في تعليم ما يزيد عن 2000 شخص للغة العربية، قد احتفى نهاية العام الماضي باليوم العالمي للغة العربية، عبر تنظيم باقة من الفعاليات الفنية والثقافية ذات الصّلة، بما في ذلك معارض تُروّج لجماليات الخط العربي، وشهدها جمهور واسع من الفرنسيين والأوروبيين وأبناء الجاليات العربية.

ومن جانبها استضافت منظمة اليونسكو في مقرّها بباريس مجموعة من الندوات المُتخصّصة حول اللغة العربية خلال ديسمبر 2017 لمدة أسبوع، بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في 18 كانون الأول/ ديسمبر، وهو اليوم الذي أصدرت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا بإدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية في كافة المنظمات التابعة لها.

وأعلن المركز الوطني للكتاب في فرنسا عن رفع مُساعدات الناشرين الراغبين بترجمة الكتب من العربية إلى الفرنسية، ومن الفرنسية إلى العربية بنسبة 70 بالمئة من تكاليف الإصدار خلال الفترة 2018- 2020.

ويُقدّم المركز مُساعداته المادية لما يُقارب من 500 مشروع ترجمة في كل عام عن عدّة لغات بينها العربية. وهو مؤسسة عامة تتبع وزارة الثقافة، وهو يهدف أيضا إلى مُساعدة العاملين في قطاع النشر وتعزيز جهود الترجمة من اللغة الفرنسية وإليها.

واختتمت مؤخرا في باريس فعاليات الدورة الـ24 من المعرض المغاربي- المشرقي للكتاب ، بمشاركة دور نشر وكتاب من المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا ومصر وسوريا ولبنان، وذلك بهدف تعزيز حضور الكتاب العربي في فرنسا وأوروبا عموما وتفعيل التواصل بين الناشرين العرب والفرنسيين، حيث استقطب المعرض الذي أقيم لمدة 3 أيام حوالي 6 آلاف قارئ.

ويترقب المهتمون بـ العربية مشاركة عربية واسعة في فعاليات الدورة الثامنة والثلاثين من معرض باريس الدولي للكتاب، خلال الفترة من 16 وإلى غاية 19 آذار/ مارس القادم، الذي يُعتبر أحد أهم المناسبات الأدبية في أوروبا والعالم، وسط حضور لما يزيد عن 1250 من دور النشر الفرنسية والعربية والعالمية.

ومن المتوقع أن تشهد دورة هذا العام مُشاركة عربية واسعة من كبرى دور النشر وعدد من الأدباء والكُتّاب العرب خاصة من دولة الإمارات والسعودية ولبنان والجزائر وتونس ومصر وسوريا والمغرب التي حلّت كضيف شرف للمعرض الباريسي في دورته الماضية بمشاركة ناجحة وفاعلة للكتاب المغاربي.

وتعتبر المشاركة العربية فرصة هامة للجاليات العربية المُقيمة في فرنسا لاقتناء أحدث الإصدارات باللغة العربية، وكذلك للقارئ الأوروبي من خلال الأدب المُترجم خصوصا للغتين الفرنسية والإنكليزية.

المصدر