الرئيسية | التعالق بين فنية الخط المغربي وجمالية اللغة العربية
  • Print
  • Email
التعالق بين فنية الخط المغربي وجمالية اللغة العربية

7 اذار 2020
حين تتقد جذوة الشعور، وتنضج بواعث الحبور، تتفتّق قريحة الإبداع فيتشكل الخط المغربي لتنساب الحروف من دون كلل ونصب، وتحل في المتلقي حلول الاتساق والتجاذب والتناغم. وهذا التناغم بين الخطاط والمتلقي هو الذي يخلق المسافة الجمالية لتكسير أفق التوقع حسب مدرسة كونستانس الألمانية في شخص رائديها هانس روبرت ياوس وفولفغانغ إيزر. ومن هذا المنطلق نهدف للكشف عن التعالق بين فنية الخط المغربي وجمالية لغة الضاد.
الصناعة الفنية للخط المغربي
إن الجمال وليد الإلهام لدى المبدعين، ووليد الإشراق عند المتصوفة، ومن الحدس عند أصحاب الحرف والمهن، وقد ارتبط الحديث عن الجمالية ارتباطا وثيقا بالفكر الفلسفي، على الرغم من اتجاه الحداثة التي تحاول إحداث قطيعة إبيستمولوجية مع الجذور الفكرية والحضارية، والخضوع فقط إلى مستحدثات العصر الحديث وتحولاته الانفجارية، حتى غدا من الصعب اليوم استعادة قراءة المنطلقات الجمالية في الفن الغربي الحديث. بيد أننا نجد هيغل يدق جرس الإنذار، داعيا إلى العودة إلى الجذور، وتتمثل هذه العودة في اعتماد الطبيعة مصدرا للجميل الكامل، الذي يحقق ارتياحا تذوقيا وحكما حدسيا. لكن لا ينبغي الركون إلى جمال الطبيعة، واستنساخها لتحقيق عمل فني خارج الحدود الذاتية لجمالية محضة تلخص بهاء الطبيعة، بل يجب أن تكون هذه الطبيعة حاملة صيغة إعادة الخلق والإبداع.
وإذا كان الفن الغربي قد التزم خلال قرون طويلة الخضوعَ إلى الطبيعة والواقع بنسخها بمهارة وإتقان، فإن المبدعَ المغربي قد أمدّ المخطوطات بصور ترمز إلى الطبيعة والواقع، من دون أن تنسخَها، وكان بذلك أمينا على مفهوم الجمالية. وهكذا انتقل التصوير من مرحلة الصناعة الفنية إلى مرحلة الإبداع، عندما تجاوزت الذاتُ الموضوع. ولم تكن المخطوطات وحدها حاضنا لآيات التصوير، بل كان الخط المغربي المجال الأرحب لاستيعاب آيات التصوير على اختلاف أشكالها، إذ أصبح الخطُّ المغربي يضطلع بوظائفَ جمالية متباينة، كما في المحراب والمنبر والمئذنة والأبواب والأحواض، إذ أسهمت حروف الخط المغربي في التأسيس لجمالية العمارة المغربية، ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، مساجدَ بني مَزْغَنَة ونَدْرُومَة وتلمسانَ في المغرب الأوسط في عهد المرابطين، وجامع ابن تاشفين في مراكش. ومن ثم، يتبين أن فنَّ الخط المغربي يعد مكونا أساسا من مكونات الحضارة المغربية منذ القدم، لأن الفن شأنه شأن سائر الفنون العالمية، خضع للسّنن الكونية في النمو والتطور والارتقاء.
يعد الخط المغربي فنا من الفنون الزُّخرفية، بيد أن الزخرفةَ في الخط المغربي ليست مقصودة في ذاتها، بل إنها تجربة رمزية تتصل باللغة. وإذا كانت اللغة العربية لغة إيحاء وتصوير بما في كلماتها من ذبذبة وروحية، فإنها تتعالق والخطّ المغربي تعالقا كبيرا إلى حد التماهي، لأن جمالية هذا الخط تُحَقّقُ للروح السمو والطهارة التي تحققها الكلمة أيضا، إذ الخط المغربي تعبير وصورة صادقة للإحساس الجمالي في الكلمة العربية الموسيقية، التي تتألف في صياغتها التعبيرية على أسس هندسية لا يمثلها الخطّ المغربي نفسه. وبحكم تطور فن الخط المغربي اجتهد الخطَّاطون في اختراع تقنيات جديدة تمثلت في الكتابة على القبَاب والأضرحة والمحاريب وجدران المساجد وتزيين الواجهات. ما يدل دلالة واضحة على أن الخطاطين المغاربة تفننوا في كتابة الخط وصياغته، ما جعله قطعة فنية رائعة ومقدّسة أيضا، إذ يتميز بالديناميكية والإيقاع والسكون الذي تتخلله ضفائرُ وزَهْرياتٌ مستمدة من جمال الطبيعة، مما ينقل إلى المتلقي الإيحاءات الكامنة في اللغة العربية.
من هنا، يتميز الخط المغربي بآيات الإبداع والإتقان مما يَحَارُ العقل في إدراك دقائقه، وتَشَكُّل رسومه، متفاعلا مع جمالية اللغة العربية في أبعادها الدينية والذوقية والفكرية والروحية، القاسم المشترك بينهما هو إفصاح المبدع عن رؤيته الفلسفية للواقع، بوساطة العملية الإبداعية الزاخرة بالمعاني والدلالات التي تحفز المتلقي على كدّ العقل وإعمال الفكر لإدراك المغزى العميق، واستيعاب الأشكال التنوعية، وفهم التوظيفات اللونية، التي تضطلع بأهمية بالغة في عالم الإبداع لتأصيل الرؤية الجمالية، وتثير في المتلقي شهية التفاعل والتساوق.
جمالية الخط المغربي
إن اهتمام الباحث محمد البندوري بالخط المغربي لم يكن وليد الصدفة، وإنما جاء نتيجة ممارسة الخط المغربي ردحا كبيرا من الزمن، وهذه الممارسة أكسبته احترافية عالية وفنية كبيرة. وللدلالة على هذه الوشائج الوثيقة والروابط العميقة، يقول الباحث: إن صلتي بالموضوع لم تكن صدفة، وإنما هي نتيجة تراكم معرفي وعلمي في مجال الخط العربي بعامة، والمغربي بخاصة، باعتباري أمارس فنَّ الخط المغربي وأبحث فيه معرفيا . الكلام مقتبس من كتاب الباحث محمد البندوري الموسوم بـ جمالية الخط المغربي في التراث المغربي دراسة سيميائية منشورات مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال، مراكش 2016.
حقق الكاتب السَّبق في مقاربة الخط المغربي بأسس ومقومات المنهج السيميائي، مما يَنمُّ عن اطّلاع الباحث على المقاربات الحديثة في النقد المعاصر، فضلا عن التّرسانة المعرفية التي حققها له التَّبَحُّرُ الواسع في مختلف العلوم والآداب والفنون، ناهيك عن الدُّربة والمراس في موضوع الخط المغربي. ومن ثمّ، حاول الباحث من خلال هذه الجوهرة النفيسة الكشفَ عن جماليات الخط المغربي في التراث المغربي، إذ يهدف هذا التراث إلى تأطير الكائن البشري داخل النسق الجمعي، لكونه يُفصح عن الوجدان الجمعي ويرتبط بنبض الجمهور حراكا وسكونا، قوة وضعفا، رجاء ويأسا. يتبيّن أن كتاب الباحث محمد البندوري يتضمن جملة من الحقائق، أهمها أن الخط المغربي يزخر برموز إيحائية عديدة أضفت على المضامين والمحتويات جمالية بالغة، كما أن جمالية الخط المغربي ضاربة بجذورها في أطناب التاريخ، وتتمثل هذه الجمالية في فن العمارة من جدران وقماش ونحاس وخشب وزجاج ومخطوطات وكتب ولوحات فنية، فضلا عن ذلك نلمس أن الخط المغربي يحافظ على الهوية الثقافية للمغاربة في زمن العولمة.
ويتجلى التفاعل بين فَنّية الخط المغربي والتذوق الفني لجمالية الغة العربية في مقال الباحث محمد البندوري بعنوان الجمال والبيان في منجز المغربي حميد الخربوشي الذي نشر بتاريخ 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 في جريدة القدس العربي اللندنية، وفي هذا السياق يرى الباحث أن تجربة الخطاط حميد الخربوش، تشكل حَلَقَةً جماليةً ذات خصوصية مغربية، وذلك لخضوعه لتأطير هندسي محكم، يأخذ بعين الاعتبار الأسس الفنية والجمالية للعمل الخطي، مشيرا إلى أن نصوصَه تتحرك بنسقية متوالية من التعبيرات الحافلة بمجموعة من الدلالات الهندسية، والأنساق التركيبية المختلفة، التي يتم استجلاؤها وفق مسلَك سيميوطيقي، وهي في عمقها تشكل جمالية دالة على أوصاف غير متناهية. مؤكدا، في الآن نفسه، على أن الخطاط يروم انسياب الحروف بحرية في الفضاء، بما تشكله هذه الأخيرة من اختزالات وإخفاقات وتَسَتُّر في الألوان، مما يشكل شكلا فنيا، ومادة بلاغية، ومظهرا بيانيا يتمثل الكلّ الفني أو التوفيق الفني بين وحدة الشكل والبناء والتصور والأسلوب ليطبع فسيفساء الخط المغربي. لأن ثقافةَ الخط المغربي تتعلق بالطابع الديني والروحي والوجداني، بالإضافة إلى البعد الحسَابي والروحاني، والقيمة الفنية والجمالية، حسب تعبير الباحث. وهناك العديد من الدراسات للباحث، لا يتَّسع الوقت للنبش في أغوارها، آخرها خاصية النقطة في منجز المغربي عبد الرحيم كولين .
نستخلص مما سبق ذكره، أن التفاعل بين الصناعة الفنية للخط المغربي وجمالية اللغة العربية تتجلى في توظيف الخطّاطين المغاربة للمفردات الفنية، سواء من حيث المجال الجمالي الذي يرصد السمات العديدة التي يتوفر عليها الخط المغربي، أو من حيث الإيحائية التي تنبني على ضوابطَ قاعدية تكشف عن خصائصَ جمالية تحبل بالتأويل ذي الدلالات المفتوحة. ومن هنا، تحيل جمالية الخط المغربي على مجال جديد لوضع تمظهرات الطبيعة وفنون العمارة التي تزخر بالإيحائية في التعبير عن استشراف الغد المشرق. وفي كَنَف الإبداع الروحي للخط المغربي نما الحسّ النقدي للباحث محمد البندوري الذي يتميز بمَلَكَات علمية وقدرات فكرية وكفاءات فنية ومميزات جمالية، أسعفته في استكناه دلالات الخط المغربي واستخلاص مقوماته الجمالية وخصائصه الفنية باعتباره من مقومات الهوية المغربية ومكونات العقيدة الإسلامية.